الشيخ محمد الصادقي الطهراني
125
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يتذرع بها إليها ، فحياته فيها حسنة مهما كانت الآخرة هي الحسنى . فخلاف ما يزعم ليس العداء بين الحياتين والنشأتين عداء لازبا أصيلا ، بل هو طارىء من انحراف أهل الدنيا حيث يؤصّلونها فيستأصلون الحياة الأخرى ، فلا استئصال بينهما كأصل ، وكما نجد في وعد اللَّه أن تواتر البركات الدنيوية قبل الأخروية هو من قضايا الإيمان الصادق والتقوى ، فكيف ينافيان تعمير الحياة الدنيا ، اللّهم إلّا التركيز عليها كأصل أخير . فكما المنهج الإيماني يقرر أن الصلاة والصوم والحج عبادة ، كذلك العمل للحصول على عيشة راضية هنا عبادة محسوبة على الآخرة كما هي محسوبة على الدنيا . كيف لاوقد استعمرنا اللَّه في الأرض دونما استهدام ف « هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » ( 11 : 61 ) . فاستعمار الأرض المطلوب من ربنا لنا هو الذي لايستهدم الآخرة بل ويستعمرها جمعا بين الاستعمارين الصالحين وهو للكادحين الصالحين ، ف « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » ( 84 : 6 ) كدحا في كلا الاستعمارين . فليس المنهج الإسلامي ليفوّت على ناهجيه دنياه لنيل الآخرة ، ولا آخرته لنيل الدنيا ، إذ ليستا - / في الأصل - / نقيضين أو بديلين في ذلك المنهج ، وإلّا لم تستخدم الدنيا كمدرسة ومزرعة لآلخرة . وما مذمة الحياة الدنيا في القرآن والسنة إلّا جانبية تعني التي تفوّت الآخرة ، فهي على حدّ تعبير الأمير عليه السلام تبصرة لآلخرة :